أحمد بن محمد القسطلاني
147
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الأقوال في وقت فرضه ، ولكن الأرجح أنه فرض سنة ست كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - أو لكونه لم يكن لهم سبيل إليه من أجل كفّار مضر ، أو لكونه على التراخي ، أو لشهرته عندهم ، أو أنه أخبرهم ببعض الأوامر . ثم عطف المؤلف على قوله : وأمرهم قوله : ( ونهاهم عن أربع عن الحنتم ) أي عن الانتباذ فيه وهو بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة الفوقية وهي الجرة أو الجرار الخضر أو الحمر أعناقها على جنوبها أو متخذة من طين وشعر ودم ، أو الحنتم ما طلي من الفخار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره وسقطت عن الثانية لكريمة ( و ) عن الانتباذ في ( الدباء ) بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد اليقطين ( و ) عن الانتباذ في ( النقير ) بفتح النون وكسر القاف ، وهو ما ينقر في أصل النخلة فيوعى فيه ( و ) عن الانتباذ في ( المزفت ) بالزاي والفاء ما طلي بالزفت ( وربما قال المقير ) بالقاف والمثناة التحتية المشدّدة المفتوحة وهو ما طلي بالقار ويقال له القير ، وهو نبت يحرق إذا يبس تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت . ( وقال احفظوهن وأخبروا بهن ) بفتح الهمزة ( من وراءكم ) أي الدين كانوا أو استقروا ، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع إليها الإسكار ، فربما شرب منها من لم يشعر بذلك ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر ، ففي صحيح مسلم : " كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا " وفي الحديث استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم ، واستحباب قول مرحبًا ْللزوار وندب العالم إلى إكرام الفاضل ، ورواته ما بين بغدادي وواسطي وبصري ، واشتمل على التحديث والإخبار والعنعنة ، وأخرجه المؤلف في عشرة مواضع هنا وفي خبر الواحد وكتاب العلم وفي الصلاة وفي الزكاة وفي الخمس وفي مناقب قريش وفي المغازي وفي الأدب وفي التوحيد ، وأخرجه مسلم في الإيمان وفي الأشربة ، وأبو داود والترمذي وقال : حسن صحيح ، والنسائي في العلم والإيمان والصلاة . 41 - باب مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلاَةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالأَحْكَامُ . وَقَالَ : اللَّهُ : { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ } : عَلَى نِيَّتِهِ : ونَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ - يَحْتَسِبُهَا - صَدَقَةٌ . وَقَالَ : وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ . ( باب ما جاء ) في الحديث ( أن الأعمال ) بفتح همزة أن وكسرها في اليونينية ولكريمة إن العمل ( بالنية والحسبة ) بكسر الحاء وإسكان السين المهملتين أي الاحتساب وهو الإخلاص . ( ولكل امرىءٍ ما نوى ) ولفظ الحسبة من حديث أبي مسعود الآتي - إن شاء الله تعالى - وأدخلها بين الجملتين للتنبيه على أن التبويب شامل لثلاث تراجم الأعمال بالنيّة والحسبة ولكل امرىءٍ ما نوى . وفي رواية ابن عساكر قال أبو عبد الله البخاري : وفي رواية الباقي بحذف قال أبو عبد الله وإذا كان الأعمال بالنية ( فدخل فيه ) أي في الكلام المتقدم ( الإيمان ) أي على رأيه لأنه عنده عمل كما مرّ البحث فيه ، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب ، ( و ) كذا ( الوضوء ) خلافًا للحنفية لأنه عندهم من الوسائل لا عبادة مستقلة ، وبأنه عليه الصلاة والسلام علم الأعرابي الجاهل الوضوء ولم يعلمه النيّة ، ولو كانت فريضة لعلمه ونوقضوا بالتيمم فإنه وسيلة وشرطوا فيه النية ، وأجابوا بأنه طهارة ضعيفة فيحتاج لتقويتها بالنية وبأن قياسه على التيمم غير مستقيم لأن الماء خلق مطهرًا . قال الله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } [ الفرقان : 48 ] . والتراب ليس كذلك ، وكان التطهير به تعبدًا محضًا فاحتاج إلى النية إذ التيمم ينبئ لغة عن القصد فلا يتحقق دونه بخلاف الوضوء ففسد قياسه على التيمم ، ( و ) كذا ( الصلاة ) من غير خلاف أنها لا تصح إلا بالنية . نعم نازع ابن القيم في استحباب التلفّظ بها محتجًّا بأنه لم يروَ أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلفظ بها ولا عن أحد من أصحابه . وأجيب بأنه عون على استحضار النية القلبية وعبادة للسان وقاسه بعضهم على ما في الصحيح من حديث أنس أنه سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يلبّي بالحج والعمرة جميعًا يقول : لبيك حجًّا وعمرة ، وهذا تصريح باللفظ والحكم كما يثبت باللفظ يثبت بالقياس وتجب مقارنة النية لتكبيرة الإحرام لأنها أول الأركان ، وذلك بأن يأتي بها عند أولها ويستمر ذاكرًا لها إلى آخرها . واختار النووي في شرحي